السيد محمد حسين الطهراني
398
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
البُرسيّ الحلّيّ ، من عرفاء علماء الإماميّة وفقهائها المشاركين في العلوم ، على فضله الواضح في فنّ الحديث ، وتقدّمه في الأدب وقرض الشعر وإجادته ، وتضلّعه في علوم الحروف وأسرارها واستخراج فوائدها . وبذلك كلّه تجد كتبه طافحة بالتحقيق ودقّة النظر ، وله في علم العرفان وعلم الحروف مسالك خاصّة ، كما أنّ له في ولاء أئمّة الدين عليهم السلام آراء ونظريّات لا يرتضيها صنف من الناس ، ولذلك رموه بالغلوّ والارتفاع ؛ غير أنّ الحقّ أنّ جميع ما يثبته المترجَم لهم عليهم السلام من الشؤون هي دون مرتبة الغلوّ وغير درجة النبوّة ، وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله : إيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِينَا ؛ قُولُوا : إنَّا عَبِيدٌ مَرْبُوبُونَ ، وَقُولُوا في فَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ . [ 1 ] وقال الإمام الصادق عليه السلام : اجْعَلْ لَنَا رَبّاً نَئُوبُ إلَيْهِ ، وَقُولُوا فِينَا مَا شِئْتُمْ . وَقَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ : اجْعَلُونَا مَخْلُوقِينَ وَقُولُوا فِينَا مَا شِئْتُمْ ، فَلَنْ تَبْلُغُوا . [ 2 ] وأنّى لنا البلاغ مدى ما منحهم المولى سبحانه من فضائل ومآثر ؟ وأنّى لنا الوقوف على غاية ما شرّفهم الله به من ملكات فاضلة ونفسيّات نفيسة وروحيّات قدسيّة وخلائق كريمة ومكارم ومحامد ؟ فَمَنْ ذَا الذي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الإمَامِ ؟ أوْ يُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ ؟ هَيْهَاتَ ! هَيْهَاتَ ! ضَلَّتِ العُقُولُ ، وَتَاهَتِ الحُلُومُ ، وَحَارَتِ الألْبَابُ وَخَسَأتِ [ 3 ] العُيُونُ ، وَتَصَاغَرَتِ العُظَمَاءُ ، وَتَحَيَّرَتِ الحُكَمَاءُ ، وَتَقَاصَرَتِ
--> [ 1 ] - « الخصال » للشيخ الصدوق . [ 2 ] - « بصائر الدرجات » للصفّار . [ 3 ] - خَسَأ البصرُ ( ع ) خَسْأ وخُسُوءاً : كَلَّ وأعْيا ، ومنه في القرآن : يَنقَلِبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ . ( « أقرب الموارد » ج 1 ، مادّة خَسَأ ) .